الهشاشة النفسية للمجتمع الجزائري أمام الجريمة: حين تتحول الضحية إلى متّهم :

 الهشاشة النفسية للمجتمع الجزائري أمام الجريمة: حين تتحول الضحية إلى متّهم : 

تعد ظاهرة تبرئة الجاني وتجريم الضحية في قضايا الاعتداءات الجنسية -تحرشًا، اغتصابا، أو بيدوفيليا- من أخطر تمظهرات الاختلالات النفسية و السوسيولوجية في البنية الذهنية للمجتمع الجزائري. ان تموضع المجتمع في موقع المدافع عن المجرم، وتبنّيه خطابا تبريريا يستند إلى آليات الإسقاط (Projection) والانكار الجمعي (Collective Denial)، يكشف عن أزمة بنيوية عميقة في وعيه الحقوقي و الأخلاقي.

سأتكلم من الناحية الدينية والنفسية و السوسيولوجية

1. تفسير السوسيولوجي والنفسي : السلطة الابوية وبنى السيطرة  

في ضوء نظريات بيير بورديو حول العنف الرمزي والهيمنة الذكورية، يتبين أن المجتمع الجزائري يُعيد إنتاج التسلط الأبوي عبر تراتبية القيم، حيث يُقدِّم الرجل كمركز السلطة الأخلاقية والاجتماعية، ضمن هذه البنية، تحول المرأة / الطفل إلى "موضوع" داخل منظومة امتلاك رمزي، يُحاسب على سلوكياته من زاوية الشرف والعِرض، لا من منظور الحقوق والكرامة الفردية 

حيث يعد الاغتصاب احد أكثر اشكال العنف تطرفًا وتدميراً، ليس فقط لأنه يعتدي على الجسد، بل لأنَّه يدمر الهوية النفسية للضحية. غير ان الخطير في المجتمعات الأبوية-ومنها المجتمع الجزائري- هو نقل عبء الجريمة من الجاني إلى الضحية ، في عملية تُحلل نفسيًا كنوع من الإنكار الجماعي و الاستدماج المرضي للقيم السلطوية

يرى المحلل النفسي الأمريكي جيمس جيليغان أنَّ الاغتصاب ليس ناتجا عن رغبة جنسية، بل هو تعبير عن حاجة مَرَضية للهيمنة و الاحتقار (gilligan.J ,1996)

بمعنى أن المغتصب لا يتحرك بدافع رغبة جنسية مشروعة، بل بسبب خلل في التكوين النفسي، ناتج عن شعور بالضعف أو الإذلال، فيسعى لتعويضه بفرض السلطة على جسد الآخر

كما وضح جاك لاكان أن المغتصب غالبًا ما يُعاني من "فقدان رمزي للذات"، فيلجأ للعنف الجنسي كوسيلة لفرض "الأنا" على الآخر عبر اقتحام حدود الجسد والمعنى.

2. التحليل النفسي الاجتماعي : آلية لوم الضحية

وفقا لنظرية "لوم الضحية" (Victim Blaming Theory) التي طورتها ميليفين ليرنر، يميل الناس إلى تصديق أن العالم عادل، لذا فانَّهم يسعون إلى تفسير الظلم من خلال لوم الضحية على ما حدث لها بدلاً من الاعتراف بظلم المجرم. في الحالة الجزائرية يتم ذلك عبر إسقاط مسؤولية الجريمة على مظهر الضحية، حركتها، أو حتى صمتها، كآلية دفاعية لاواعية لتجنب مواجهة الواقع الصادم لوجود مجرمين داخل النسيج الاجتماعي نفسه.

تبرز العالمة النفسية لورين سلايتر في تحليلها ثقافة العنف ضد النساء أن لوم الضحية هو آلية دفاعية جماعية، تجعل المجتمع يشعر بالآمان الزائف، لأنه يتوهم أن الضحية قد شاركت في جُرمها، وبالتالي يستطيع الناَّس أن يعتقدوا أنّـهم بأمان لطالما لم يكرروا سلوكها. (SALTER, 2002) 

هذا يفسر لماذا يتم اتهام الضحية بأنها "خرجت بلباس غير محتشم" أو "لم تكن حذرة"، في إسقاط نفسي يُبعد الناس عن الحقيقة المرعبة : أن الجريمة يمكن أن تطال ايًًّّا كان، في أي مكان.

وهذا ينطبق أيضا على تجريم الطفل واجباره على الصمت تحت ذريعة " الستر" "الخوف من العار" "سمعة العائلة" " رحمة بالجاني" 

فإننا ننتقل من جريمة جسدية إلى جريمة نفسية واجتماعية مضاعفة ب"الاغتصاب الرمزي" 《Viol symbolique》 بحسب بيير بورديو حيث يسكت الطفل لا بالقوة وانمَّا التلاعب النفسي والخوف والخجل.

وتحلل جوديث هيرمان أنَّ الصمت المجتمعي حول الاغتصاب لا يقل قسوة عن الفاعل نفسه...الضحية تتعرض لاغتصاب ثانٍ حين لا يُصدّقها احد، أو تلام على نجاتها، حيث الصدمة لا تتكامل في الوعي حين تمنع من التعبير عنها.الصمت يُجمد الذاكرة في عقل الضحية ككابوس متكرر، مما ينتج اضطرابات خطيرة . (Hermann , 1992)

إجبار الطفل أو المرأة على الصمت يعرضهم إلى اضطرابات نفسية جمّة : فقدان الثقة بالوالدين والمجتمع، كراهية الجسد والذات، اكتئاب أو الانتحار ، اضطراب الهوية الجنسية والذاتية ، مشاعر الذنب والخزي والخوف الاجتماعي وكلها تتضاعف حين يُنكر عليها حقها في العدالة.

من منظور التحليل النفسي الفرويدي، يمكن تفسير الظاهرة بوصفها إحدى نتائج ميكلنيزمات الدفاع النفسي ، حيث ينكر المجتمع مسؤوليته عن خلق بيئة تنتج العنف الجنسي، ويسقط الذنب على الضحية. يحدث ذلك بدافع حماية الأنا الجماعية من الانهيار، وذلك عبر توجيه العدوان نحو أضعف حلقة في السلسلة الاجتماعية : الضحية 

ويفسر كل من فروم وفرويد ورايخ كيف ان المجتمعات القمعية تكبت الرغبات، فتتحول إلى عدوان. كتب إريك فروم ان المغتصب هو نتاج يشجع العدوان الذكوري ويكبت الحميمية، فينشأ شخصا لا يعرف كيف يطلب الحب. فيأخذ الجسد بالقوة.

وبالتالي غالبا ما ينكرون الجريمة ويلقون اللوم على الطفل "اكيد ان الطفل كان يلعب بشكل خاطئ" وهذا ما يسميه فرانتز فانون ب"التواطؤ الصمت الجماعي" والذي يغذي ثقافة الافلات من العقاب ويحول الجريمة إلى "سر عائلي" .

في مجتمعات تتشابك فيها السلطة الذكورية مع العرف والدين المؤول، تولد بنية نفسية جماعية تمنح المجرم غطاءً أخلاقيا، تسقط اللوم على الضحية، خاصة إذا كانت أنثى أو قاصر. في الجزائر تتجلى هذه البنية في ردود أفعال اجتماعية بعد حوادث التحرش، الاغتصاب، أو حتى الاعتداء على الأطفال. لا ينظر للمجرم كجاني بقدر ما يعامل كـ"ضحية اغواء"، بينما تُجرَّم الضحية ويحمل جسدها أو سلوكها أو لباسها مسؤولية الجريمة. 

يحرك اللاشعور الجمعي الجزائري دافعا قويًًّّا لحماية صورة الجماعة على حساب الافراد؛ خاص. اذا كانت الضحية أنثى. يتم اختزال الفتاة في "شرف العائلة". ما يجعلها تتحمل وزر اي اعتداء تتعرض له. وبدلا من محاسبة المعتدي، وكأن الضحية هي التي خططت لاعتدائها.

في قراءة نفسية دائما ما يُقدم الجاني كـ"ضحية بطالة ، فقر، كبت جنسي" يتم تبرير افعاله بوصفها رد فعل طبيعي لوضعية اجتماعية مختلة. هذا التبرير لا يكتفي باعفاء المجرم من المسؤولية، بل يمنحه شرعية ضمنية. حتى وإن كانت طفلا لا يملك الوعي الجنسي بعد.

المجتمع الذي يعاني من الاستبداد السياسي والاقتصادي، غالبا ما يُفرغ قهره على الاضعف: النساء، الأطفال، المهمشين. في السياق الجزائري، تتجسد هذه الآلية في ثقافة لوم الضحية و معاقبته اجتماعيًا: يتم طرد لفتاة من المدرسة، ويُفرض عليها الزواج بـ" الجاني"، أو تجبر الأسرة على الصمت "درءًا للفضيحة"، بينما لا يعاقب المحرم بشكل فعلي.

وهنا الإعلام، والأنظمة التعليمية، والدينية، تسهم أحيانًا في ترسيخ هذه البنية من خلال تبني خطاب أخلاقي شكلي، يُدين الجريمة نظريًا لكنه يكرّس الذكورية والوصم الاجتماعي عمليًا، حين تُعرض الفتاة كمصدر فتنة، يُقدم الرجل على أنه "ضعيف أمام الإغواء"، فإننا أمام بنية تُعيد إنتاج الظلم بدل تفكيكه.

وهنا يمارس المجتمع نوعا من العنف البنيوي من خلال مؤسساته التربوية، الدينية، الاعلامية، التي تعيد إنتاج القيم الذكورية،وتهمّش مفاهيم الكرامة الجسدية والجنسية للفرد.

ويتمظهر هذا العنف في الأطر القانونية البالية، وضعف العقوبات، وعدم حماية الضحية قانونيا ونفسيًا، ما يساهم في تطبيع الجريمة وتشويه صورة الضحية.

وهنا يستخدم الدين في سياقه الشعبي بوصفه خطابًا تبريريًا، حيث يتم تأويل النصوص الدينية لخدمة منطق لوم الضحية، لا لحمايتها. ويتجلى ذلك في خطابات تركز على "عفّة المرأة" كشرط اساسي لكرامتها، في تجاهل تام لمبدأ المسؤولية الفردية للجاني في الفعل الإجرامي.

الاسلام ينظر إلى المغتصب كمجرم يستحق أقصى العقوبات، وليس ك"ضحية كبت" أو "مغلوب على امره". كما ينظر إلى الضحية نظرة رحمة لا لوم واتهام، ويمنع تمًامًا ما يسمى بـ"تزويح الضحية من الجاني" أو إلزامها بالصمت.

الفقهاء من مختلف المذاهب اعتبروا الاغتصاب شكلا من الزنا بالإكراه(الوطء بالشبهة او عدوان) وله أحكام شديدة : إذا ثبت أن الجاني مكلف، واع، مختار وقد اغتصب بغير شبهة أو شبهة عقد فإن عقوبة حد الزنا: 

الرجم حتى الموت إذا كان محصنًا (متزوجا)؛ 100 جلدة ونفي سنة ان كان غير محصن.

وهناك من اعتبره يقع عليه حد الحرابة ( الإفساد في الأرض) لقوله تعالى : (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا...) (المائدة:33)

والاغتصاب يدخل في الإكراه و الاعتداء والفساد في الارض، لذا تصل عقوبته الى: القتل، الصلب، قطع اليد والرجل، النفي من الأرض حسب درجة الجريمة وظروفها.

والإسلام لا يحمل الضحية أي ذنب،بل يوجب: حمايتها و سترها والدفاع عنها، علاجها نفسيا وجسديا ومعاقبة كل من يشهر بها أو يشكك في براءتها.

و رأى مالك بن نبي من منظور نفسي ديني أن تحوُّل الدين إلى عرف، يجعله أداة تبرير للتسلط، بينما روحه الأصيلة تحرر الإنسان من الخوف و العنف؛ بالتالي، حين يستخدم الخطاب الديني لتجريم الضحية أو الدعوة لـ"الستر على المجرم" فإن ذلك ليس تدينًا، بل أدلجة للدين لخدمة الذكورية القمعية.

خاتمة:

تجريم الضحية وتبرئة المجرم في المجتمع الجزائرية ليست مجرد مواقف فردية، بل انعكاس لبنية نفسية وسوسيولوجية عميقة، تحتاج الى تفكيك واعادة بناء عبر التعليم، العدالة، والإعلام.

فقط حين يُنظر كإنسان كامل الحقوق، وإلى المجرم كفاعل حر مسؤول، يمكن أن تبدأ عملية الشفاء الجماعي.

.By my pen ~A.S

Comments

Popular posts from this blog

اتهام الفتاة القاصرة بالهروب العاطفي: قراءة نفسية–سوسيولوجية–ثقافية في بنية العنف الرمزي

Accusing the Minor Girl of Romantic Escape: A Psycho–Sociological–Cultural Reading of Symbolic Violence

Educational Violence in Algerian Society: A Psycho-Cultural and Analytical Approach to Beating as a Tool of Upbringing