المراهق بين وعي الخطأ ونداء النجاة: قراءة موسَّعة في البعد الأخلاقي
المراهق بين وعي الخطأ ونداء النجاة: قراءة موسَّعة في البعد الأخلاقي
A.S bleuming Iris
عندما يُقدِم مراهقون تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عامًا على سرقة باخرة للهجرة نحو الضفة الأخرى، نحن لا نقف أمام فعل جنائي فقط، بل أمام امتحان أخلاقي عميق. إنّها حادثة تجمع في قلبها التمرد والنجاة واليأس، وتكشف لنا هشاشة القيم حين تتقاطع مع الحاجة الملحّة للوجود.
أولًا: أخلاق المراهقة بين الإدراك والاندفاع
المراهق في جوهره يعيش حالة بينية: لم يعد طفلًا خاضعًا بشكل كامل للسلطة الأبوية، ولم يصل بعد إلى استقلالية الراشد. هذه الوضعية تجعله يعيش ارتباكًا في إدراكه الأخلاقي، لأنه يتأرجح بين المعرفة النظرية والممارسة العملية.
فحسب بياجيه، يصل المراهق في هذه المرحلة إلى مستوى التفكير الصوري، أي أنه أصبح قادرًا على التعامل مع مفاهيم مجردة مثل الحرية، العدالة، والظلم. إنه يدرك أن السرقة فعل لا يتوافق مع القوانين الأخلاقية والاجتماعية، وهذا الوعي يميّزه عن الطفل الصغير. غير أن هذا الإدراك يظل في كثير من الأحيان فكرة معلّقة في ذهنه، لأنه لم يترسّخ بعد كسلوك ثابت.
أما من منظور كولبرغ، فإن أغلب المراهقين يوجدون في مستوى الأخلاق التقليدية، حيث تكون أحكامهم مستندة إلى ما يراه المجتمع مقبولًا أو مرفوضًا. ومع ذلك، فإن انتقالهم إلى مستوى أرقى (الأخلاق المبدئية) لم يكتمل بعد. ولهذا يظهر التناقض: المراهق يعرف أن السرقة جريمة، لكنه قد يجد في التمرد أو الحاجة مبررًا داخليًا لتجاوز ما يعرف أنه خطأ.
هذا التناقض يعكس حقيقة أن المراهق يعيش صراعًا بين العقل والعاطفة:
العقل يقول: "السرقة ظلم".
العاطفة تقول: "الحرية أهم، النجاة أولى".
وهكذا يصبح وعيه الأخلاقي هشًّا، قابلًا للانزلاق، لأن بنيته النفسية في هذه المرحلة تبحث عن إثبات الذات أكثر من البحث عن الانسجام مع القوانين. لذلك فالمراهق ليس جاهلًا بالقيمة الأخلاقية للفعل، بل واعٍ بها، لكنه يفتقد القدرة على جعلها مرجعًا ثابتًا أمام اندفاعاته الداخلية.
ثانيًا: الواجب الأخلاقي والخرق العمدي له
تُطرح قضية انحراف المراهقين دائمًا بين مسؤوليتين: مسؤولية الفرد ومسؤولية المجتمع. فإلى أيّ حد يمكن اعتبار المراهق وحده مذنبًا في أفعاله الخاطئة، وإلى أيّ مدى يُلام المجتمع على عجزه عن توفير الشروط الكريمة للحياة؟
من جهة أولى، يرى المدافعون عن المسؤولية الفردية أنّ المراهق، وإن لم يكتمل نضجه بعد، إلا أنّه في مرحلة تسمح له بتمييز الخير من الشر، وفق ما يؤكده بياجيه وكولبرغ في نظرياتهما حول النمو الأخلاقي. إنه يعرف أن السرقة مثلًا فعل خاطئ وعدوان على حق الغير، لكن اندفاعه أو رغبته في التمرد قد يقوده لتجاهل هذا الإدراك. لذلك، يظل مطالبًا بتحمل نتائج أفعاله، ولا يمكن تبريره بالكامل بظروفه الاجتماعية، لأن الأخلاق تقوم أولًا على حرية الاختيار.
ومن جهة ثانية، يذهب أنصار المسؤولية الاجتماعية إلى أنّ الفرد لا يعيش في فراغ، بل داخل منظومة اجتماعية قد تفتح أمامه أبواب الأمل أو تدفعه نحو الانحراف. فالمجتمع الذي يعجز عن حماية شبابه من البطالة، التهميش والإحباط، لا يملك الحق في مطالبتهم باحترام الواجبات نفسها التي يفرضها على من يعيشون بكرامة. كما يقول كانط: "اعمل بحيث يكون فعلك قاعدة عامة"، لكن كيف يمكن تطبيق هذا الواجب إذا غابت الشروط الدنيا للعدل؟ فالواجب حينها يتحول إلى مجرد إملاء فارغ، منفصل عن واقع الحياة.
غير أنّ الموقف الأعمق هو الجمع بين الرؤيتين: فالسرقة تظل دائمًا فعلًا خاطئًا يستحق الإدانة، ولا يمكن تحميل المجتمع وحده وزرها، لكن أيضًا لا يمكن اختزالها في خطأ فردي معزول. المسؤولية إذن مشتركة؛ فالمراهق مسؤول عن اختياراته ووعيه الأخلاقي، والمجتمع مسؤول عن خلق بيئة عادلة تُعطي للواجب قيمته الحقيقية. ومن دون هذه الثنائية، يبقى العقاب عاجزًا عن إصلاح الخلل، وتبقى الظاهرة قابلة للتكرار.
ثالثًا: الأخلاق النفعية وشرعية البقاء
رأى جون ستيوارت ميل أن الأخلاق تُقاس بالنتائج: ما يزيد السعادة ويقلل الألم.
وبهذا يتحوّل الفعل من "خرق أخلاقي" إلى "وسيلة نفعية"، حيث يصبح البحر أهون من برٍّ يخنقهم.
من هذا المنظور، يمكن فهم دوافع المراهقين في ضوء البحث عن النجاة والأمل، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أن السرقة فعل خاطئ. الفعل هنا يعكس صراعًا بين الضرورة الملحة والحقيقة الأخلاقية، ويبيّن كيف يمكن للظروف القاسية أن تضغط على اختيارات الفرد، لكنه يظل مسؤولًا عن فعلته..
رابعًا: غياب المعنى وانكسار الضمير
فيكتور فرانكل يقول: "من يملك سببًا يعيش من أجله، يمكنه أن يتحمل أي شيء."
هؤلاء المراهقون لم يجدوا سببًا، لم يلقوا في مجتمعهم معنىً يكفي ليجعلهم يلتزمون بالقانون. ومع غياب المعنى، يسقط الضمير الأخلاقي. إنهم لم يسرقوا بدافع الطمع، بل بدافع الفراغ الوجودي.
الفعل الأخلاقي فقد جذوره لأن الأرض التي تغذّيه – الأمل – كانت جرداء.
خامسا: الحرية المبتورة ووهم الاختيار
المراهق قد يختار، نعم، لكنه يختار بين موتٍ بطيء ومغامرة في المجهول. فهل يمكننا حقًا الحديث عن "اختيار أخلاقي" حين تُختزل الخيارات إلى فخاخ؟
كما يقول سارتر: "الإنسان محكوم عليه بالحرية." لكن الحرية هنا ليست مطلقة، بل حرية مبتورة: خيارات المراهقين محدودة جدًا ومحاصرة بالظروف القهرية. فهم قد يختارون بين البقاء في بيئة خانقة، بلا أمل ولا فرص – ما يشبه "الموت البطيء" الاجتماعي والمعنوي – أو المخاطرة بالهجرة عبر البحر إلى المجهول، وهو خيار محفوف بالمخاطر الفعلية.
هكذا، تصبح الحرية شكلية: هناك فعلًا اختيار، لكن لا توجد بدائل حقيقية تمكّنهم من اتخاذ قرار أخلاقي سليم بالكامل. الاختيار المقدم لهم ليس حرية مطلقة، بل إجبار على الموازنة بين خطرين شديدين. ومع ذلك، يظل المراهق مسؤولًا عن أفعاله بقدر ما تسمح به معرفته ووعيه الأخلاقي، بينما يبرز ضعف البيئة الاجتماعية كعامل مهم في فهم دوافعه دون تبرير
مع ذلك، يظل المراهق مسؤولًا عن أفعاله، إذ أن الأخلاق لا يجوز تجاوزها حتى في أشد الظروف القاسية. وعيه الأخلاقي، مهما كان هشًّا، يمنحه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، ومنحه هذا الوعي يعني أنه قادر على تحقيق المعجزات إذا اختار الالتزام بالقيم رغم التحديات. فالحرية الحقيقية ليست غياب العقبات، بل القدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي ضمن الواقع الذي يفرضه العالم، وتحويل المحن إلى فرصة للنمو والتفوق على الظروف القاسية
خاتمة:
سرقة الباخرة ليست فعلًا عابرًا، بل صرخة مأساوية تعكس ضعف الدعم المجتمعي: "إن المجتمع لم يمنحنا كرامة أو فرصًا، فأقدمنا على ما بدا لنا الطريق الوحيد."
المراهق بين 14 و17 سنة واعٍ بما يكفي ليدرك خطأه، لكنه محاصر بظروف صعبة. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار تعريض النفس للموت أو تجاوز الأخلاق نجاحًا. الأطفال يحتاجون أولًا لتوجيه وضبط قيمهم وأخلاقهم، إذ أن الانحراف عن القواعد الأساسية ليس دليلًا على القوة أو البراعة، بل على نقص الدعم والإشراف. هناك حلول أخرى متاحة للتغلب على الفقر والبطالة والظروف القاسية دون الإضرار بالنفس أو بالمجتمع.
النجاح الحقيقي لا يُقاس بتجاوز القيم الأخلاقية، بل بالقدرة على الالتزام بها واتخاذ قرارات مسؤولة حتى في أصعب الظروف. ومن يواجه الصعاب بمسؤولية، يحمل في داخله شهادة على أن الأخلاق قوة تمنح الإنسان القدرة على مواجهة التحديات بوعي، وأن تجاوزها مهما كانت الظروف ليس إنجازًا يُحتذى به.
Comments
Post a Comment